سوق السندات و التطوير المؤجل

نسخة سهلة الطبعنسخة سهلة الطبع أرسل لصديقأرسل لصديق

تشهد مصر خلال الفترة الحالية حاجة ماسة لتطوير و تحديث سوق السندات البورصة المصرية نتيجة حاجة الشركات للتمويل وتوافر السيولة في السوق، بالإضافة إلى انخفاض كلفة الاقتراض من خلال هذا السوق ، مما سيشجع الشركات اللجوء إلى سوق السندات لتمويل مشاريعها التوسعية خاصة و أن حجم سوق ديون مصر لا يزال صغيراً مقارنة بمناطق أخرى تعتبر من الدول الناشئة، لكن هناك نمواً في هذا القطاع في مصر على وجه الخصوص كونها تعتزم تنشيط سوق سندات بالعملة المحلية في الفترة المقبلة.

من هنا تأتي أهمية تطوير سوق سندات الشركات وتنشيطه وإنشاء سوق ثانوي للسندات (Secondary Bond Market) بحيث يساهم في تمويل الشركات حيث أصبح من الصعب عملية التمويل عن طريق الإدراج في البورصة الي جانب صعوبات التمويل المصرفي نتيجة الاوضاع الحالية .

بالنظر الي الاسواق العالمية فقد بلغ حجم سوق السندات القائمة للشركات في الولايات المتحدة الأميركية حوالي 5.92 تريليونات دولار أميركي أو ما يعادل %39 من إجمالي حجم الاقتصاد الأميركي البالغ 15.1 تريليون دولار، حيث يعتبر سوق السندات من أسواق المال الأساسية في تمويل الشركات ولا يقل أهمية عن أسواق الأسهم و ترتفع هذه النسبة إلى %69 في بريطانيا حيث بلغ حجم سوق سندات الشركات نحو 1.7 تريليون دولار أميركي مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 2.5 تريليون دولار أميركي، وكذلك في ألمانيا حيث تصل النسبة إلى أعلى مستوى لها في الدول المتقدمة وهي %88 بينما تنخفض هذه النسبة في الصين واليابان الى %33 و%20 على التوالي.

أصبح تطوير سوق ثانوي للسندات وتشجيع الإصدارات الأولية من سندات الشركات ضرورة ملحة فرضتها الأزمة المالية والمناخ الاستثماري الذي تغير وتطور في فلسفة الأدوات الاستثمارية، حيث أصبحت السندات أداة أساسية في توزيع الأصول لأي محفظة استثمارية متنوعة، وكذلك فقد كشفت الأزمة المالية عن عيوب التمويل في عدد كبير من الشركات، حيث اعتمدت على التمويل قصير الأجل لشراء أصول واستثمارات طويلة الأجل. وعند أول صدمة في سوق الائتمان، امتنعت البنوك عن التمويل قصير الأجل وداهمت الاستحقاقات قصيرة الأجل لتلك الشركات التي فقدت السيولة وواجهت مشكلة السيولة.

وكذلك بدا واضحاً بعد الأزمة أهمية الإدارة الجيدة لاستحقاقات الديون وتمديد آجالها بشكل يتلاءم مع نشاط الشركة والتدفقات النقدية المستقبلية. من هنا، فإن السندات، التي تعتبر أداة تمويل متوسطة وطويلة الأجل (3 – 10 سنوات)، أصبحت ضرورية في هيكل التمويل للشركات، وذلك لتفادي مشكلات السيولة والتمويل التي نتجت خلال الأزمة المالية.

إلا أن عملية إصدار السندات بل و تداولها بوضعها الحالي أصبحت متاحة فقط للشركات التي تتمتع بوضع مالي قوي ، وتمتلك أصولاً حقيقية ذات تدفقات نقدية مستدامة وبالتالي، نعتبر أن مستقبل سوق السندات في مصر واعد إذ هناك سيولة كبيرة لدى المؤسسات الحكومية وبعض المؤسسات الخاصة وأصحاب الثروات من الأفراد، حيث بالإمكان جذب تلك السيولة والاستفادة منها في إصدارات من شركات ذات ملاءة مالية عالية وجيدة، بالإضافة إلى تنظيم السوق وتطويره، بحيث يصبح من الأسواق الأساسية في تمويل الشركات.

ان الازدهار المالي في شركات القطاع العقاري وقطاع الاستثمار يعتبر مهما جدا بالنسبة لسوق السندات حيث تطول آفاق استحقاق الأصول في الشركات في هذين القطاعين؛ وبالتالي فانها تفضل بصفة عامة التمويل عن طريق اصدار السندات على خيارات التمويل قصير الأجل/ التمويل المدعم بضمانات فقد شهد الرفع المالي العام لقطاعي الاستثمار والعقار ارتفاعاً ملحوظاً مع انكماش قيمة حقوق الملكية، مما أدى بدوره الى اضعاف قدرة القطاعين على اصدار السندات وتحمل المزيد من الديون قصيرة الاجل و ذلك بالاضافة الى السيولة التي يتمتع بها النظام المصرفي في الفترات الماضية و التي لعبت دورا رئيسيا في اتجاة الشركات للتمويل المصرفي و الابتعاد عن السندات ، فقد لعبت بيئة سعر الفائدة الخاضعة للتنظيم والرقابة دوراً مهماً في جعل التمويل المصرفي الشكل المفضل للتمويل حتي عام 2011 .

أن مشاركة المؤسسات غير البنكية في سوق السندات تعتبر ضئيلة للغاية وعلى الرغم من ذلك، فإن حجم الطلب لا يمثل عائقاً في الوقت الحاضر حيث يعتبر العرض الحالي لعمليات الإصدار المحلية كافيا لتلبية جزء صغير من السوق المحتمل إلا أن سيطرة شريحة صغيرة من المستثمرين تعني أن السندات التي تلبي احتياجات الاستثمار لهؤلاء المستثمرين فقط هي التي ستحظى بالإقبال والشراء في السوق. ويفضل العديد من المستثمرين النشطاء في الوقت الحاضر عمليات الإصدار من فئة الاستثمار الحاصلة على تصنيف BBB أو تصنيف أعلى على مقياس عالمي للتصنيف ، كما إن حجم كل عملية إصدار مفردة يتأثر أيضاً بصغر قاعدة المستثمرين في السوق. وتشير التقديرات إلى أن قيود المخاطر في البنوك والمؤسسات المملوكة للدولة تحد بصورة أساسية من حجم أي إصدار يمكن أن يستوعبه السوق.

ان سوق السندات تفتقر حالياً إلى وجود منحنى عائد كامل على الرغم من العدد المرتفع نسبياً للإصدارات السيادية. ونظراً لغياب منحنى العائد ، فإن قرارات تسعير السندات ترجع بصورة أساسية إلى إدراك المستثمرين للمخاطر ومتطلبات العائد التي يحددها هؤلاء المستثمرون حيث ان غياب منحنى العائد السيادي العالمي يفرض تحدياً كبيراً في تسعير عمليات إصدار السندات بالعملات الأجنبية من قبل الشركات.

لذلك فنظراً لمحدودية الإقراض المقدم من البنوك بصورة رئيسية، فإن سوق السندات المحلي في مصر يمكن أن يشهد زيادة في الأنشطة في عام 2012. ومع ذلك، فإن تطور سوق سندات في البلاد يتسم بالعمق والسيولة يعتبر أمراً متوقعاً ، حيث يتوقف على تطوير اللوائح الخاصة بالسوق، وكذلك في تشجيع نمو قاعدة مستثمرين تتمتع بالتنوع  علي المشاركة فيه.

أن وجود هذه السوق النشط في مصر من شأنه أن يؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد المصري نظراً لاعتماد الشركات بصفة اساسية في التمويل علي الموارد الذاتية و على القروض البنكية و هو معوق تمويلي واضح فمع قلة موارد التمويل ، أصبحت سوق الديون الطريقة الوحيدة التي يمكن للشركات اتباعها للحصول على التمويل كما ان الطلب على سوق السندات جاء في مرحلة لاحقة من دورة التطور الاقتصادي وتطور الأسواق المالية، إذ يتم عادة دعم المراحل الأولى من تطوير الاقتصاد بالاعتماد على طرق التمويل الذاتي المتاح، ومن ثم يستعان بالتمويل البنكي.

يجب التأكيد علي انه في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لمواصلة سياساتها الرامية لتنويع موارد الاقتصاد للتعاطي مع النمو المطرد في عدد السكان، والذي ترافق مع تأثر الشركات بإحجام البنوك عن الإقراض فستلجأ الحكومة للاستعانة بأسواق السندات للحصول على التمويل اللازم ولسداد القروض الحالية وتغطية نفقات المشاريع الإنمائية المستقبلية فانه في الظرف الراهن، فإن الكثير سيعتمد على قيم الأصول وتقلباتها على الأرجح، ومدى مرونة الممولين الذين يؤملون في الحصول على طلبات تمويل الأصول المالية، علاوة على البيئة التنظيمية لهذا النوع من الصفقات.

ان أسواق رأسمال الدين أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الجديدة التي باتت تنهجها المؤسسات المالية والبنوك للتحرك إلى الأمام في منطقة الشرق الاوسط و شمال افريقيا مما يستدعي تفعيلا اكثر شمولا للدور المصري خلال هذه المرحله .

يمكنك استخدام هذا الرابط لمشاركة المقال مع أصدقائك
 

التعليقات

أضف تعليق جديد

لن يتم أطلاع الغير على هذا البريد الألكتروني
 

عن الكاتب

صورة محسن عادل حلمى
محسن عادل حلمى

العضو المنتدب لشركة بايونيرز لصناديق الاستثمار
الخبرة المهنية:
1- مدير الموقع الاليكتروني للشركة www.piosec.com
2- محلل مالي و اقتصادي
3- المحاضرة في المؤتمرات و الندوات الدورية التي تعقدها الشركة
4- اصدار تقارير مالية و اقتصادية عن اداء الشركات المدرجة بالبورصة المصرية و عن الاداء الاقتصادي المصري .
5- رئاسة فريق التحليل المالي بالشركة .
6- الاشراف علي اعداد البحوث الخاصة بالاداء المالي للبورصة المصرية .
7- الاشراف علي اصدار التقارير اليومية و الشهرية و السنوية للبورصة المصرية .
8- نائب رئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية للتمويل و الاستثمار .
9- الرئيس السابق لقسم المشورة و الابحاث بشركة بايونيرز السعودية لتداول الاوراق المالية .
10- محاضر في عدد من الجامعات و المنتديات و المحافل العلمية في مجال اسواق المال .
11- محاضر في مجال اسواق المال المصرية و العربية  بعددا من القنوات العربية و المصرية و العالمية .
12- مستشار مالي سابق لعددا من الشركات .
13- مستشار التحليل المالي لعددا من الصحف المصرية المتخصصة و المواقع الاخبارية .

المؤهلات العلمية:
جامعة القاهرة – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية  
    - دبلوم الدراسات العلبا
    - تحليل سوق الاوراق المالية
جامعة حلوان– كلية التجارة وادارة الاعمال
    - بكالوريوس التجارة شعبة التجارة الخارجية

 

الأرشيف الشهرى لـ:محسن عادل حلمى

الأكثر مشاركة

  • صورة الزوار
    عبدالحميد العمري
  • صورة الزوار
    أ.د.ياسين الجفري
  • صورة الزوار
  • صورة الزوار
    راشد محمد الفوزان
  • صورة الزوار
    محود حنفى (أدهم) - مدير قطاع العقود بشركة بترولية
  • صورة الزوار
    أ.د.ياسين الجفري
  • صورة الزوار
    عبدالحميد العمري
  • صورة الزوار
  • صورة الزوار
    أ.د. محمد إبراهيم السقا
  • صورة الزوار
    راشد محمد الفوزان

قسم الزوار